والنصيب: الحظ والقسط ، وهو فعيل من النصب لأن ما يعطى لأحد ينصب له ويميز ، وإضافة النصيب إلى ضميره دالة على أنه حقه وأن للمرء الانتفاع بماله في ما يلائمه في الدنيا خاصة مما ليس من القربات ولم يكن حراماً.
قال مالك: في رأيي معنى {ولا تنس نصيبك من الدنيا} تعيش وتأكل وتشرب غير مضيق عليك.
وقال قتادة: نصيب الدنيا هو الحلال كلّه.
وبذلك تكون هذه الآية مثالاً لاستعمال صيغة النهي لمعنى الإباحة.
و {من} للتبعيض.
والمراد بالدنيا نعيمها.
فالمعنى: نصيبك الذي هو بعض نعيم الدنيا.
{مِنَ الدنيا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الأرض إِنَّ الله لاَ} .
الإحسان داخل في عموم ابتغاء الدار الآخرة ولكنه ذكر هنا ليبنى عليه الاحتجاج بقوله {كما أحسن الله إليك} .
والكاف للتشبيه ، و (ما) مصدرية ، أي كإحسان الله إليك ، والمشبه هو الإحسان المأخوذ من {أحسن} أي إحساناً شبيهاً بإحسان الله إليك.
ومعنى الشبه: أن يكون الشكر على كل نعمة من جنسها.
وقد شاع بين النحاة تسمية هذه الكاف كاف التعليل ، ومثلها قوله تعالى {واذكروه كما هداكم} [البقرة: 198] .
والتحقيق أن التعليل حاصل من معنى التشبيه وليس معنى مستقلاً من معاني الكاف.
وحذف متعلق الإحسان لتعميم ما يُحسن إليه فيشمل نفسه وقومه ودوابه ومخلوقات الله الداخلة في دائرة التمكن من الإحسان إليها.
وفي الحديث:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء"فالإحسان في كل شيء بحسبه ، والإحسان لكل شيء بما يناسبه حتى الأذى المأذون فيه فبقدره ويكون بحسن القول وطلاقة الوجه وحسن اللقاء.
وعطف {لا تبغ الفساد في الأرض} للتحذير من خلط الإحسان بالفساد فإن الفساد ضد الإحسان ، فالأمر بالإحسان يقتضي النهي عن الفساد وإنما نص عليه لأنه لما تعددت موارد الإحسان والإساءة فقد يغيب عن الذهن أن الإساءة إلى شيء مع الإحسان إلى أشياء يعتبر غير إحسان.