وقد أشير إلى بيان المقصود تعضيداً لدلالة المقام بقوله {إن الله لا يحب الفرحين} ، أي المفرطين في الفرح فإن صيغة (فعل) صيغة مبالغة مع الإشارة إلى تعليل النهي ، فالجملة علة للتي قبلها ، والمبالغة في الفرح تقتضي شدة الإقبال على ما يفرح به وهي تستلزم الإعراض عن غيره فصار النهي عن شدة الفرح رمزاً إلى الإعراض عن الجد والواجب في ذلك.
وابتغاء الدار الآخرة طلبها ، أي طلب نعيمها وثوابها.
وعلق بفعل الابتغاء قوله {فيما ءاتاك الله} بحرف الظرفية ، أي اطلب بمعظمه وأكثره.
والظرفية مجازية للدلالة على تغلغل ابتغاء الدار الآخرة في ما آتاه الله وما آتاه هو كنوز المال ، فالظرفية هنا كالتي في قوله تعالى {وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء: 5] أي منها ومعظمها ، وقول سبرة بن عمرو الفقعسي:
نحابي بها أكفاءنا ونهينها
ونشرب في أثمانها ونقامر...
أي اطلب بكنوزك أسباب حصول الثواب بالإنفاق منها في سبيل الله وما أوجبه ورغب فيه من القربان ووجوه البر.
-- {الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ} .
جملة معترضة بين الجملتين الحافتين بها ، والواو اعتراضية.
والنهي في {ولا تنس نصيبك} مستعمل في الإباحة.
والنسيان كناية عن الترك كقوله في حديث الخيل"ولم ينس حق الله في رقابها"، أي لا نلومك على أن تأخذ نصيبك من الدنيا أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة.
وهذا احتراس في الموعظة خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ لأنهم لما قالوا لقارون {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا فلا يستعمل ماله إلا في القربات ، فأفيد أن له استعمال بعضه في ما هو متمحض لنعيم الدنيا إذا آتى حق الله في أمواله.
فقيل: أرادوا أن لك أن تأخذ ما أحلّ الله لك.