قال الغَزَالِيُّ: في «الإحْيَاءِ» : الفَرَحُ بالدنيا والتَّنَعُّمُ بِهَا سُمٌّ قَاتِلٌ يَسْرِي في العُرُوقِ ؛ فَيُخْرِجُ مِن القَلْبِ الخوفَ والحَزَنَ وذِكْرَ الموتِ وأهوالَ القيامة ؛ وهذا هو موتُ القلبِ والعياذُ باللّهِ ، فأولوا الحَزْم من أربابِ القلوبِ جَرَّبُوا قلوبَهم في حال الفَرَحِ بمُوَاتَاةِ الدنيا ، وعلموا أن النَّجَاةَ في الحُزْنِ الدائم ، والتباعُدِ من أسبابِ الفَرَح ، والبَطَرِ ؛ فقَطَّعُوا النَّفْسَ عن ملاذِّها وعَوَّدُوها الصَّبْرَ عَنْ شَهَوَاتِها ؛ حَلالِها وحَرَامِهَا وعلموا أن حلالَها حِسَابٌ وهُوَ نَوْعُ عذابٍ ، وَمَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ ، فَخَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ من عَذابِهَا ، وَتَوَصَّلُوا إلى الحرّية والملكِ في الدنيا والآخرة ؛ بالخلاص من أسْرِ الشهواتِ وَرقِّها ، والأنْسِ بِذِكْرِ اللّهِ تعَالَى والاشْتِغَالِ بِطَاعَتِه ، انتهى.
قال ابن الحاجِّ في «المَدْخَلِ» : قال يَمَنُ بن رزق رحمه اللّه تعالى: وأنا أُوصيكَ بأن تُطِيلَ النظرَ في مِرْآةِ الفِكْرَةِ مَعَ كثرةِ الخَلَوَاتِ ، حَتَّى يُرِيَكَ شَيْنَ المَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا ، فَيَدْعُوكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى تَركها ، ثم قال يمن بن رزق: ولاَ تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ العَمل مع قلةِ الحزْنِ ، واغْتَنِمْ قليلَ العَمَلِ مَعَ الحزنِ ، فإن قليلَ حُزْنِ الآخرةِ الدَّائِمِ فِي القلبِ ؛ يَنْفِي كُلَّ سُرُورِ ألفْتَهُ من سرورِ الدنيا ، وقليلَ سرورِ الدنيا في القلبِ ؛ يَنْفِي عنكَ جميعَ حُزن الآخِرَة. والحزنُ لا يصلُ إلى القلبِ إلاَّ مع تَيَقُّظِهِ ؛ وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتهُ ، وسرورُ الدُّنيا لِغَيْرِ الآخرةِ لا يصلُ إلى القلب إلا مع غَفْلَتِه ؛ وغفلةُ القَلْبِ مَوتُه ، وعلامةُ ثَبَاتِ اليقِينِ في القَلْبِ اسْتِدَامَةِ الحُزْن فِيهِ.