{إذ قال له قومه لا تفرح} : نهوه عن الفرح المطغى الذي هو إنهماك وإنحلال نفس وأشر وإعجاب ، وإنما يفرح بإقبال الدنيا عليه من اطمأن إليها وغفل عن أمر الآخرة ، ومن جعل أنه مفارق زهرة الدنيا عن قريب ، فلا يفرح بها.
وقال أبو الطيب:
أشد الغم عندي في سرور ...
تيقن عنه صاحبه انتقالا
قال الزمخشري: ومحل إذ منصوب بتنوء.
انتهى ، وهذا ضعيف جداً ، لأن إثقال المفاتح العصبة ليس مقيداً بوقت قول قومه له: {لا تفرح} .
وقال ابن عطية: متعلق بقوله: {فبغى عليهم} ، وهو ضعيف أيضاً ، لأن بغيه عليهم لم يكن مقيداً بذلك الوقت.
وقال الحوفي: الناصب له محذوف تقديره أذكر.
وقال أبو البقاء: {إذ قال له} ظرف لآتيناه ، وهو ضعيف أيضاً ، لأن الإيتاء لم يكن وقت ذلك القول.
وقال أيضاً: ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل محذوف دل عليه الكلام ، أي بغى عليهم ، {إذ قال له قومه} . انتهى.
ويظهر أن يكون تقديره: فأظهر التفاخر والفرح بما أوتي من الكنوز ، {إذ قال له قومه} .
وقال تعالى: {ولا تفرحوا بما آتاكم} والعرب تمدح بترك الفرح عند إقبال الخير.
وقال الشاعر:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ...
ولا جازع من صرفه المتحول
وقال الآخر:
إن تلاق منفساً لا تلقنا ...
فرح الخير ولا نكبوا الضر
وقرئ: الفارحين ، حكاه عيسى بن سليمان الحجازى.
و {لا يحب} : صفة فعل ، لا صفة ذات ، بمعنى الإرادة ، لأن الفرح أمر قد وقع ، فالمعنى: لا يظهر عليهم بركته ، ولا يعمهم رحمته.
ولما نهوه عن الفرح المطغى ، أمروه بأن يطلب ، فيما آتاه الله من الكنوز وسعة الرزق ، ثواب الدار الآخرة ، بأن يفعل فيه أفعال البر ، وتجعله زادك إلى الآخرة.
{ولا تنسى نصيبك من الدنيا} ، قال ابن عباس ، والجمهور: معناه: ولا تضيع عمرك في أن لا تعمل صالحاً في دنياك ، إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا ، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها ، وهذا التأويل فيه عظة.