وأما قراءة من قرأ بلى بحرف الجواب بدل بل، فقال أبو حاتم: إن كان بلى جواباً لكلام تقدم، جاز أن يستفهم به، كأن قوماً أنكروا ما تقدم من القدرة، فقيل لهم: بلى إيجاباً لما نفوا، ثم استؤنف بعده الاستفهام وعودل بقوله تعالى: {بل هم في شك منها} ، بمعنى: أم هم في شك منها، لأن حروف العطف قد تتناوب، وكف عن الجملتين بقوله تعالى: {بل هم منها عمون} . انتهى.
يعني أن المعنى: ادّرك علمهم بالآخرة أم شكوا؟ فبل بمعنى أم، عودل بها الهمزة، وهذا ضعيف جداً، وهو أن تكون بل بمعنى أم وتعادل همزة الاستفهام.
قال الزمخشري: فإن قلت: فمن قرأ بلى ادرك؟ قلت: لما جاء ببلى بعد قوله: {وما يشعرون} ، كان معناه: بلى يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: ادرك علمهم في الآخرة، على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم، فكأنه قال: شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون، كونها، فيرجع إلى المبالغة في نفي الشعور على أبلغ ما يكون.
وأما من قرأ: بلى أدّرك، على الاستفهام فمعناه: يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها، لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها، لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن.
فإن قلت: هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟ قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة، وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذلك عداه بمن دون عن، لأن العاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يبصرون. انتهى. انتهى. {البحر المحيط حـ 7 صـ}