أجيب: بأنه لم يقع منه ذلك بل ابتدأ الكتاب بالبسملة وإنما كتب اسمه عنواناً بعد ختمه لأنّ بلقيس إنماعرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود ، ولذلك قالت: {إنه بسم الله الرحمن الرحيم} أي: إنّ الكتاب ، فالتقديم واقع في حكاية الحال ، واعلم أن قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} مشتمل على إثبات الصانع وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً قال الطيبي: وقال القاضي: هذا كلام في غاية الوجازة مع إثبات كمال الصانع وإثبات كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الإله وصفاته صريحاً أو التزاماً ، والنهي عن الترفع الذي هو أمّ الرذائل ، والأمر بالإسلام الذي هو جامع لأمّهات الفضائل ، ولما سكتوا عن الجواب.
{قالت} لهم {يا أيها الملأ} ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها {أفتوني} أي: تكرّموا عليّ بالإنابة عما أفعله {في أمري} هذا الذي أجيب به هذا الكتاب جعلت الشورى فتوى توسعاً ، لأنّ الفتوى الجواب في الحادثة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة واواً ، والباقون بتحقيقها وفي الابتداء الجميع بالتحقيق.
ثم عللت أمرها لهم بقولها {ما كنت قاطعة أمراً} أي: فاعلته وفاصلته غير متردّدة فيه {حتى تشهدون} أفادت بذلك أن شأنها دائماً مشاورتهم في كل جليل وحقير فكيف بهذا الأمر الخطير ، وفي ذلك استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم وتكريمهم ودلالة على غزارة عقلها وحسن أدبها ، ثم إنهم أجابوها عن ذلك بأن.
{قالوا} مائلين إلى الحرب {نحن أولو قوّة} أي: بالمال والرجال {وأولو} أي: أصحاب {بأس} عزم في الحرب {شديد والأمر} أي: في كل من المصادمة والمسالمة راجع وموكول {إليك فانظري} أي: بسبب أنه لا نزاع معك {ماذا تأمرين} فإنا نطيعك ونتبع أمرك ، ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده.