ومع هذا ، فإنهما استقبلا هذه النعمة الجليلة العظيمة ، بالحمد ، والشكر ، والولاء للّه ، وخفض الجناح لعباد اللّه ، ولكل ما خلق اللّه .. حتى إن سليمان عليه السلام ، وهو في أروع مظاهر سلطانه ، وفي أعظم مجالى قدرته وقوته ، يقف بين يدي أضعف مخلوقات اللّه ، وهي النملة .. فيأخذ منها العبرة والعظة ، وينظر من خلال ملكها إلى ملكه العريض ، فيرى أن لها سلطانا كسلطانه ، وملكا كملكه ، وسياسة رفيقة رحيمة ، أروع وأعظم من سياسته ، فلا يملك إلا أن يخشع لسلطان اللّه بين يديها ، ويسبح بحمده وجلاله. فيقول في محراب ملكها الذي تسبح فيه بحمد اللّه: « رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ » ! فأين موقف فرعون ، من هذا الموقف؟ وأين الأرض من السماء؟ وأين الباطل من الحق ، والعمى من الهدى؟ وأين أعداء اللّه من أولياء اللّه؟.
وفي قوله تعالى: « وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً » إشارة إلى أن الذي أعطاهما اللّه إياه من العلم ، هو - على عظمته وجلاله - شيء قليل ، لا يكاد يذكر
إلى ماللّه سبحانه وتعالى من علم ، وهذا ما يدل عليه تنكير كلمة « علم » ..
فهو علم قليل قليل ، مما عند اللّه من علم ..
وفي قوله تعالى: « وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ » - إشارة أخرى إلى أن العلم الذي كان عندهما ، هو وإن علوا به عن كثير من عباد اللّه ، فإن في عباد اللّه من أوتى علما أكثر من علمهما .. فهما أكثر من كثير من الناس علما ، وأقل من بعض الناس علما ..
واللّه سبحانه وتعالى يقول: « وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ »