قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام ، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته.
قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامّة كافة قائمة لقِوام الخلق ، لا زيادة عليها ، ولا نقصان معها ، ولا يصلح سواها ، ولكن الظلمة خاسوا بها ، وقصروا عنها ، وأتوا ما أتوا بغير نية ، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها ، فلم يرتدع الخلق بها ، ولو حكموا بالعدل ، وأخلصوا النية ، لاستقامت الأمور ، وصلح الجمهور.
{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) }
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِي النمل} قال قتادة: ذكر لنا أنه واد بأرض الشام.
وقال كعب: هو بالطائف.
{قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أيها النمل} قال الشعبي: كان للنملة جناحان فصارت من الطير ، فلذلك علم منطقها ولولا ذلك لما علمه.
وقد مضى هذا ويأتي.
وقرأ سليمان التيمي بمكة:"نَمُلَةٌ"و"النَّمُلُ"بفتح النون وضم الميم.
وعنه أيضاً ضمهما جميعاً.
وسميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها.
قال كعب: مرّ سليمان عليه السلام بوادي السَّدير من أودية الطائف ، فأتى على وادي النمل ، فقامت نملة تمشي وهي عرجاء تتكاوس مثل الذئب في العظم ؛ فنادت: {يَأَيُّهَا النَّمْلُ} الآية.
الزمخشري: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ، وكانت تمشي وهي عرجاء تتكاوس ؛ وقيل: كان اسمها طاخية.