لَا يَنْحَصِرُ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا الْعِلْمَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النِّعَمِ كُلِّهَا ، فَلَقَدْ كَانَ دَاوُد مِنْ أَعْبَدْ الْبَشَرِ كَمَا صَحَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَذَلِكَ مِنْ آثَارِ عِلْمِهِ وَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ وَلِابْنِهِ سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ لِأَحَدٍ ، وَجَعَلَ الْعِلْمَ أَصْلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَأَشَارَا هُمَا أَيْضًا إلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمَا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} عَقِيبَ قَوْلِهِ {آتَيْنَا دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} وَمَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمَا شَكَرَا مَا آتَاهُمَا إيَّاهُ وَأَنَّ سَبَبَ التَّفْضِيلِ هُوَ الْعِلْمُ ، وَإِنَّمَا قَالَ (وَقَالَا) بِالْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْفَاءِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك فَشُكْرًا ، وَيَكُونُ الشُّكْرُ حِينَئِذٍ هُوَ قَوْلُهُمَا ذَلِكَ لَا غَيْرُ ، فَعَدَلَ إلَى الْوَاوِ لِيُشِيرَ إلَى الْجَمْعِ فِي الْإِيتَاءِ لَهُمَا بَيْنَ الْعِلْمِ وَقَوْلِهِمَا ذَلِكَ الْمُحَقِّقَ لِمَقْصُودِ الْعِلْمِ مِنْ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَةِ وَكُلِّ خَصْلَةٍ حَمِيدَةٍ ؛ فَلِذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْهَا: أَنَّ فَضْلَ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ ، وَلِهَذَا مِدَادُ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ دَمِ الشُّهَدَاءِ وَأَعْظَمُ مَا عِنْدَ الْمُجَاهِدِ دَمُهُ وَأَهْوَنُ مَا عِنْدَ الْعَالَمِ مِدَادُهُ ، فَمَا ظَنُّك بِأَشْرَفِ مَا عِنْدَ الْعَالَمِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالتَّفَكُّرِ فِي آلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي تَحْقِيقِ الْحَقِّ وَبَيَانِ الْأَحْكَامِ وَهِدَايَةِ الْخَلْقِ .
وَلِذَلِكَ جُعِلُوا وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ .
فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد} .
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) فِي