والتقدير: يا قوم أو يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى للعلم به، وحذفت ألف (يا) لالتقاء الساكنين. ولما حذفت من اللفظ حذفت من الخط، وكذلك ألف (اسجدوا) حذفت لفظًا وخطًا، فبقى {يَسْجُدُوا} كما ترى.
قال أبو علي: ووجه دخول حرف التنجيه على الأمر أنه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المأمور لتأكيد ما يؤمر به، كما أن النداء موضعٌ يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادى له من إخبار، أو أمر، أو نهي ونحو ذلك مما يخاطب به، انتهى كلامه.
فإن قلت: من أين علم عدم السجود حتى أمرهم به؟ قلت: لأنه لما قال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} دل ذلك على أنهم لا يسجدون، فأمرهم بالسجود، فقال: (أَلَا يَسجُدُوا) . فإن قلت: مَن [الآمر] بذلك؟ قلت: اختلف فيه، فقيل: هو استئناف كلام من الله جل ذكره. وقيل: من سليمان - عليه السلام -. وقيل: هو متصل بكلام الهدهد.
وقوله: (ويعلمُ ما يخفون وما يعلنون) قرئ: بالياء فيهما النقط من
تحته ردًا إلى قوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} وقرئ: بالتاء فيهما النقط من فوقه على الخطاب، لأن الكلام قد دخله الخطاب على مذهب من قرأ: (أَلَا يسجدوا) , لأنه منادى والمنادى مخاطب، وأما من قرأ بالتاء النقط من فوقه وهو لا يقرأ إلا مخففًا فعلى الخطاب للفريقين المؤمِنين والكافرين الذين جرى ذكرهم على لفظ الغيبة، أو على الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، وهو كثير شائع في الكتاب العزيز، وفي كلام القوم نظمهم ونثرهم.
{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) } :
قوله عز وجل: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} فيه وجهان:
أحدهما: على التقديم والتأخير، والتقدير: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. {يَرْجِعُونَ} ، أي: يردون، يعني يجيبون.