فإن فلول سيوفهم ليس من جنس العيب فيهم بحال ؛ ومنه مرتبة ما هو تأكيد في الجملة وهو ما المستثنى فيه ليس من جنس المستثنى منه لكنه قريب منه بالمشابهة لم يطلق عليه اسم المشبه به بما تضمنه الاستثناء كما في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] ، ألا ترى أنه نفى أن يكون يسألهم أجراً على الإطلاق في قوله تعالى {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [ص: 86] .
فقوله تعالى: {إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً} من قبيل المرتبة الثانية لأن الكلام على حذف مضاف يناسب أجراً إذ التقدير: إلا عمل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ، وذلك هو اتباع دين الإسلام.
ولما كان هذا إجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أشبه الأجر على تلك الدعوة فكان نظير قوله {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى} [الشورى: 23] .
وقد يسمون مثل هذا الاستثناءِ الاستثناء المنقطع ويقدرونه كالاستدراك.
والسبيل: الطريق.
واتخاذ السبيل تقدم آنفاً في قوله: {يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً} [الفرقان: 27] .
وجعل السبيل هنا إلى الله لأنه وسيلة إلى إجابته فيما دعاهم إليه وهذا كقوله تعالى: {فمن شاء اتخذ إلى ربه مئاباً} [النبأ: 39] .
وذكر وصف الرب دون الاسم العلَم للإشارة إلى استحقاقه السير إليه لأن العبد محقوق بأن يرجع إلى ربه وإلاّ كان آبقاً.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)
عطف على جملة {قل ما أسألكم عليه من أجر} [الفرقان: 57] أي قل لهم ذلك وتوكل على الله في دعوتك إلى الدين فهو الذي يجازيك على ذلك ويجازيهم.
والتوكل: الاعتماد وإسلام الأمور إلى المتوكل عليه وهو الوكيل ، أي المتولّي مهمّات غيره ، وقد تقدم في قوله تعالى: {فإذا عزمتَ فتوكَّل على الله} في آل عمران (159) .