وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عُقَيْبُ قَوْلِهِ {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} فِي اللَّيْلِ. فَإِذْا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَوَصَفَ النَّهَارَ بِأَنَّ فِيهِ الْيَقَظَةَ وَالنُّشُورَ مِنَ النَّوْمِ أَشْبَهَ إِذْ كَانَ النَّوْمُ أَخَا الْمَوْتِ. وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ النَّهَارَ مَعَاشًا، وَفِيهِ الِانْتِشَارُ لِلْمَعَاشِ، وَلَكِنَّ النُّشُورَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَشَرَ، فَهُوَ بِالنَّشْرِ مِنَ الْمَوْتِ وَالنَّوْمِ أَشْبَهُ، كَمَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ وَقَامَ مِنْ نَوْمِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانًا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ الْمُلَقِّحَةَ {بُشْرًا} حَيَاةً أَوْ مِنَ الْحَيَا وَالْغَيْثِ الَّذِي هُوَ مُنْزِلُهُ عَلَى عِبَادِهِ {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}
يَقُولُ: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّحَابِ الَّذِي أَنْشَأْنَاهُ بِالرِّيَاحِ مِنْ فَوْقِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَاءً طَهُورًا.
{لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا}
يَعْنِي أَرْضًا قَحِطَةً عَذِيَّةً لَا تُنْبِتُ.
وَقَالَ {بَلْدَةً مَيْتًا} وَلَمْ يَقُلْ مَيْتَةَ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ لِنُحْيِيَ بِهِ مَوْضِعًا وَمَكَانًا مَيِّتًا {وَنُسْقِيَهُ} مِنْ خَلِقْنَا {أَنْعَامًا} مِنَ الْبَهَائِمِ {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا}
يَعْنِي الْأَنَاسِيَّ: جَمْعَ إِنْسَانٍ وَجَمْعَ أَنَاسِيٍّ، فَجَعَلَ الْيَاءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ الَّتِي فِي إِنْسَانٍ، وَقَدْ يُجْمَعُ إِنْسَانٌ: أَنَاسِينَ، كَمَا يُجْمَعُ النَّشْيَانُ: نَشَايِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَنَاسِيُّ جَمْعٌ وَاحِدُهُ إِنْسِيُّ فَهُوَ مَذْهَبٌ أَيْضًا مَحْكِيُّ، وَقَدْ يُجْمَعُ أَنَاسِي مُخَفَّفَةَ الْيَاءِ، وَكَأَنَّ مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَسْقَطَ الْيَاءَ الَّتِي بَيْنَ عَيْنِ الْفِعْلِ وَلَامِهِ، كَمَا يُجْمَعُ الْقُرْقُورُ: قَرَاقِيرَ وَقَرَاقِرَ.
وَمِمَّا يُصَحِّحُ جَمَعَهُمْ إِيَّاهُ بِالتَّخْفِيفِ قَوْلُ الْعَرَبِ: أَنَاسِيَةُ كَثِيرَةٌ