وقد ثبت"عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في بول الأعرابي في المسجد:"صبّوا عليه ذَنُوباً من ماء"قال شيخنا أبو العباس: واستدلّوا أيضاً بحديث القلتين ، فقالوا: إذا كان الماء دون القلتين فحلته نجاسة تنجس وإن لم تغيّره ، وإن ورد ذلك القدر فأقَبل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته وأزال النجاسة وهذه مناقضة ، إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين ، وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوريّ ليس فيه من الفقه شيء ، فليس الباب باب التعبدات بل من باب عقلية المعاني ، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها."
ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام:"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه".
قلت: هذا الحديث أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن رِشدِين بن سعد أبي الحجاج عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي وعن ثوبان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه ذكر اللون.
وقال: لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي ، وأحسن منه في الاستدلال ما رواه أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خدِيج عن أبي سعيد الخدري قال قيل: يا رسول الله ، أنتوضأ من بئر بُضاعة ، وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الماء طهور لا ينجسه شيء"أخرجه أبو داود والترمذي والدَّارَقُطْنِيّ كلهم بهذا الإسناد.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن ، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث ولم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بُضاعة أحسن مما روى أبو أسامة.
فهذا الحديث نص في ورود النجاسة على الماء ، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بطهارته وطهوره.
قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها ؛ قلت: أكثر ما يكون الماء فيها؟ قال: إلى العانة.