وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير وأبو الفرج الأبهرِي وسائر المنتحلين لمذهب مالك من البغداديين ؛ وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وداود بن عليّ.
وهو مذهب أهل البصرة ، وهو الصحيح في النظر وجيد الأثر.
وقال أبو حنيفة: إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته كثيراً كان أو قليلاً إذا تحققت عموم النجاسة فيه.
ووجه تحققها عنده أن تقع مثلاً نقطة بول في بركة ، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس ، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس.
وفي المجموعة نحو مذهب أبي حنيفة.
وقال الشافعي: بحديث القلتين ، وهو حديث مطعون فيه ؛ اختلف في إسناده ومتنه ؛ أخرجه أبو داود والترمذي وخاصة الدَّارَقُطْنِي ، فإنه صدّر به كتابه وجمع طرقه.
قال ابن العربي: وقد رام الدَّارَقُطْنِي على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يقدر.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر ، غير ثابت في الأثر ؛ لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ، ولأن القلتين لا يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع ، فلو كان ذلك حدّاً لازماً لوجب على العلماء البحث عنه ليقفوا على حدّ ما حدّه النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه من أصل دينهم وفرضهم ، ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه ، فلقد بحثوا عما هو أدون من ذلك وألطف.
قلت: وفيما ذكر ابن المنذر في القلتين من الخلاف يدلّ على عدم التوقيف فيهما والتحديد.
وفي سنن الدَّارَقُطْنِي عن حماد بن زيد عن عاصم بن المنذر قال: القِلال الخوابي العظام.
وعاصم هذا هو أحد رواة حديث القلتين.
ويظهر من قول الدَّارَقُطْنِي أنها مثل قِلال هَجَر ؛ لسياقه حديث الإسراء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لما رفعت إلى سِدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قِلال هَجَرو ورقها مثل آذان الفيلة"وذكر الحديث.