فثبت بهذا أن اسم الفعول (بفتح الفاء) يكون بناء للمبالغة ويكون خبراً عن الآلة ، وهو الذي خطر ببال الحنفية ، ولكن قصرت أشداقها عن لَوْكِه ، وبعد هذا يقف البيان عن المبالغة وعن الآلة على الدليل بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً} .
وقوله عليه السلام:"جعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً"يحتمل المبالغة ويحتمل العبارة به عن الآلة ؛ فلا حجة فيه لعلمائنا ، لكن يبقى قوله: {لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] نص في أن فعله يتعدى إلى غيره.
الثانية: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها ، والمخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه في صفتيه جميعاً ، فإذا خالطه فغيّره لم يسلبه وصفاً منهما لموافقته لهما وهو التراب.
والضرب الثاني يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة ، فإذا خالطه فغيّره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير ؛ كماء الورد وسائر الطاهرات.
والضرب الثالث يخالفه في الصفتين جميعاً ، فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعاً لمخالفته له فيهما وهو النجس.
الثالثة: ذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة ، وأن الكثير لا يفسده إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه من المحرمات.
ولم يحدّوا بين القليل والكثير حدّاً يوقف عنده ، إلا أن ابن القاسم روى عن مالك في الجُنُب يغتسل في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب ولم يكن غسل ما به من الأذى أنه قد أفسد الماء ؛ وهو مذهب ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم ومن اتبعهم من المصريين.
إلا ابن وهب فإنه يقول في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك.
وقولهم: ما حكاه أبو مصعب عنهم وعنه: أن الماء لا تفسده النجاسة الحالّة فيه قليلاً كان أو كثيراً إلا أن تظهر فيه النجاسة وتغيّر منه طعماً أو ريحاً أو لوناً.
وذكر أحمد بن المعدّل أن هذا قول مالك بن أنس في الماء.