فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعذوبته وتعلقه بالقلوب ، وطيبه في النفوس ، وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور ، وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازاة الشعرية ؛ فإن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حدّ الصدق إلى الكذب ، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية ، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون.
ألا ترى إلى قول بعضهم:
ولو لم تُلامِسْ صفحةُ الأرضِ رجلَها ...
لما كنتُ أدري عِلَّةً للتيمم
وهذا كفر صراح ، نعوذ بالله منه.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا منتهى لباب كلام العلماء ، وهو بالغ في فنِّه ؛ إلا أني تأملت من طريق العربية فوجدت فيه مطلعاً مشرقاً ، وهو أن بناء فعول للمبالغة ، إلا أن المبالغة قد تكون في الفعل المتعدّي كما قال الشاعر:
ضَروبٌ بنصل السيفِ سُوقَ سِمانها ...
وقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر:
نؤوم الضُّحا لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ ...
وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن نظافة ومن الشرع طهارة ؛ كقوله عليه السلام:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور"وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء فلا يتعدى إلى سائر المائعات وهي طاهرة ؛ فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدّل دليل على أن الطهور هو المطهر ، وقد يأتي فعول لوجه آخر ليس من هذا كله وهو العبارة به عن الآلة للفعل لا عن الفعل كقولنا: وَقُود وسَحُور بفتح الفاء ، فإنها عبارة عن الحطب والطعم المتسحر به ؛ فوصف الماء بأنه طهور (بفتح الطاء) أيضاً يكون خبراً عن الآلة التي يتطهر بها.
فإذا ضمت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل وكان خبراً عنه.