فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْت لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ} مَعْنًى ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُجَاوِرَ لِلنَّجَاسَةِ لَيْسَ بِنَجِسٍ فِي نَفْسِهِ مَعَ ظُهُورِ النَّجَاسَةِ فِيهِ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا أَيْضًا مَعْنًى صَحِيحٌ غَيْرُ مَا ادَّعَيْت وَاسْتَفَدْنَا بِهِ فَائِدَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا اسْتَفَدْنَاهُ بِالْخَبَرِ الَّذِي اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ: الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ
شَيْءٌ عَارِيًّا مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حَالِ غَلَبَةِ النَّجَاسَةِ وَسُقُوطِ حُكْمِ الْمَاءِ مَعَهَا فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ فِي حُكْمِ أَعْيَانِ النَّجَاسَاتِ ، وَأَفَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ ، كَمَا تَقُولُ فِي الْمَاءِ إذَا مَازَجَهُ اللَّبَنُ أَوْ الْخَلُّ: إنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ ؛ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْقُلَّتَيْنِ فِي مَوَاضِعَ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَهُنَا.
فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا وَالشَّافِعِيَّ لَا يُجِيزُونَ الْوُضُوءَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ مَا هُوَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ: (يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ) عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْ مَالِكٍ لَهُ.