[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة فِي الصوفية ، فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا فِي نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا فِي قواهم معارضته ، فقد حصل المدعى وهو المطلوب ، وإن كان فِي إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له ، كان ذلك دليلا على أنه من عند الله ؛ لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك ، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن فِي نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته ، كما قررنا ، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق وبهذه الطريقة أجاب فخر الدين فِي تفسيره عن سؤاله فِي السور القصار كالعصر و {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ] .
وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} أما الوَقُود ، بفتح الواو ، فهو ما يلقى فِي النار لإضرامها كالحطب ونحوه ، كما قال: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] وقال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] .
والمراد بالحجارة هاهنا: هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة ، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت ، أجارنا الله منها.
قال عبد الملك بن ميسرة الزرّاد عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود ، فِي قوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} قال: هي حجارة من كبريت ، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض فِي السماء الدنيا ، يعدها للكافرين. رواه ابن جرير ، وهذا لفظه. وابن أبي حاتم ، والحاكم فِي مستدركه وقال: على شرط الشيخين (1) .
(1) تفسير الطبري (1/381) وتفسير ابن أبي حاتم (1/85) والمستدرك (2/61) .