7 -كان القرآن ينزل بحسب الأسئلة والوقائع، فكان الرد ينزل على تلك الأسئلة وبيان تلك الوقائع، كما في سورة البقرة، فقد تكرَّر لفظ (ويسألونك) ، وفي وقائع معينة ينزل العتاب والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [التحريم: 1] ، وكما في قوله تعالى:"عَبَسَ وَتَوَلَّى" [عبس: 1] .
ويقول الدكتور محمد حجازي:
(هذه الأمة العربية التي تلقَّتِ القرآن أولاً كانت لها عقائدُ راسخة، وعاداتٌ متأصِّلة، وأخلاق موروثة، وصفات مأثورة، ثم هي مع ذلك تعتزُّ بها وتدين، وترى أنها من مفاخرها ودين آبائها وأجدادها، فليس انتزاعها بالأمر السهل الهيِّن؛ لهذا سلك القرآن معها مسلكَ الحكيم العليم، الذي خلق فسوَّى، وقدر فهدى، سلك معها مسلك التدرج، والانتقال من حال إلى حال، مع التمهل واليسر؛ حتى استطاع الإسلام أن يزحزحهم عن عقائدهم، وأن يجعلهم يتخلَّون عن عاداتهم شيئًا فشيئًا، كل هذا بما أنزل عليهم من القرآن بالتنجيم والتفريق) [8] .
ويقول فضيلته في موضع آخر:
(يا عجبًا كل العجب من كتاب نزل مرتبطًا بالأحداث والحوادث منجمًا، تبعًا للظروف والأحوال، ثم هو يجمع مرة ثانية على شكل آخر وبوضع آخر، وفي السورة المقروءة تجد المدهش المعجز في بيانه وتصويره، وتجد الرباط المحكم في سوره وآياته) [9] ، وتلك من روائع الأعاجيب.
8 -لقد كانت الغايةُ الكبرى هي تكوينَ جيل مثالٍ يحمل أمانة الدين، ويحمل عقيدة التوحيد ويناضل من أجلها، وهذا الجيل هو الذي أقام دولةً قوامها العدل والتقوى، ثم هو والذين جاؤوا من بعده قاموا بنشرِ الإسلام في أرجاء الأرض، وكانتِ الحكمةُ في نزول القرآن مفرقًا ومنجمًا تربية الجيل الأول؛ لنعلم أن تعاليم الإسلام ليست تعاليمَ نظرية يستحيلُ تطبيقها في الواقع، وليكون هذا الجيل قدوةً وأسوةً لجميع الأجيال، ومثالاً عمليًّا يُحتَذى به.