أي: وقال الذين كفروا من أهل مكة في تعنتاتهم: هلا أنزل هذا القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - حالة كونه جملة واحدة في مرة واحدة كسائر الكتب السالفة إن كان من عند الله تعالى، وما له أنزل على التفاريق؟ وهذا اعتراض فاسد، لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور، فأبرزوا صفحة عجزهم، حتى لاذوا بالمناصبة، وفزعوا إلى المحاربة، وبذلوا المهج ومالوا إلى الحجج. وقيل: المراد بالذين كفروا هنا اليهود، والمعنى عليه: أي: وقال اليهود: هلا أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة كما أنزلت الكتب السالفة على الأنبياء كذلك. وهذا زعم باطل ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت متفرقة، فقد أنزلت التوراة منجمة في ثماني عشرة سنة، كما تدل عليه نصوص التوراة، وليس هناك دليل قاطع على خلاف ذلك من كتاب أو سنة كما نزل القرآن، لكنهم معاندون أو جاهلون لا يدرون كيف نزلت كتب الله على أنبيائه، وهو اعتراض بما لا طائل تحته؛ لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقًا فرد الله عليهم ما قالوا، وأشار إلى السبب الذي لأجله نزل القرآن منجمًا، فقال: {كَذَلِكَ} والكاف في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف مؤكد معلل بما بعده، و {ذلك} : إشارة إلى ما يفهم من كلامهم؛ أي: مثل ذلك التنزيل المفرق الذي قدحوا فيه نزلناه، لا تنزيلًا مغايرًا له {لِنُثَبِّتَ} ونقوي. وقرأ عبد الله {ليثبت} بالياء؛ أي: ليثبت الله {بِهِ} ؛ أي: بذلك التنزيل المفرق {فُؤَادَكَ} ؛ أي: قلبك، فإن فيه تيسيرًا لحفظ النظم وفهم المعنى، وضبط الأحكام والعمل بها، ألا ترى أن التوراة أنزلت دفعة، فشق العمل على بني إسرائيل، ولأن الكتب المتقدمة نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزلنا القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور تحدث في أوقات مختلفة، ففرقناه ليكون أدعى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأيسر على العامل به، ولأنه كلما نزل عليه وحي جديد في كل أمر وحادثة ازداد هو قوة قلب وبصيرة.