ثم أجاب سبحانه عن شبهتهم هذه بقوله: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا} واللام في قوله: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا} موطئة للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أضمر هؤلاء القائلون الاستكبار عن الحق والعناد به {فِي أَنْفُسِهِمْ} ؛ أي: في قلوبهم، كما في قوله: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} ، أو المعنى: لقد أظهروا الكبر والعظم والترفع في شأن أنفسهم، يعني: وضعوا لأنفسهم وجعلوا لها قدرًا ومنزلة ورفعة حيث أرادوا لأنفسم الرسل من الملائكة، ورؤية الرب تعالى {وَعَتَوْا} ؛ أي: تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان {عُتُوًّا} ؛ أي: تجاوزًا {كَبِيرًا} ؛ أي: بالغًا إلى أقصى غاياته من حيث أنهم عاينوا المعجزات القاهرة، وأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة معاينة الملائكة الطيبة، ورؤية الله تعالى التي لم ينلها أحد في الدنيا من أفراد الأمم وآحاد الأنبياء غير نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو إنما رآه تعالى بعد العبور عن حد الدنيا، وهو الأفلاك السبعة التي هي من عالم الكون والفساد.
ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم، بل جاوزوا ذاك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغًا هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله، أو تعد من المستعدين له، وهكذا كل من جهل قدر نفسه، ولم يقف عند حده.
وإنما قال هنا: {عُتُوًّا} على الأصل، وفي سورة مريم: {عِتِيًّا} على استثقال اجتماع الواوين، والقلب لمناسبة الفواصل هناك.