وقوله تعالى: (اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ) الإشارة إلى القرآن الذي عرف بصفاته العالية من أنه هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، وهو نور يهدي إلى صراط مستقيم وبلاغته تبعد عن كل قول وفيه الشريعة، اتخذوا القرآن صاحب الصفات العليا مهجورا، أي شيئا مهجورا، هجرته القلوب، وهجروه بذواتهم فكانوا يقو لون: (. . . لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ، وقالوا الهجر والفحش ما يدل على فحشهم وهجر أفعالهم، وقد استغرب النبي - صلى الله عليه وسلم - من حالهم المناقضة لرشدهم. هذه شكوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قومه، وقد عزى اللَّه نبيه بأن الباعث على هذا هو العداوة، والعداوة من شأنها أن تؤدي إلى المهاترة، وهجر الأقوال والأفعال، وهؤلاء أعداء كما كان للرسل من قيلك أعداء.
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا(31)
إنه منذ هبط آدم وإبليس إلى الأرض، والخير والشر في نزاع مستمر؛ تحقيقا
لقوله تعالى: (. . . وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) ، فإذا كان من سنة اللَّه تعالى في خلقه أن يبعث النذير والداعي إلى الخير، فإنه تكون وسوسة الشيطان دائمة مستمرة، والإنسان في غلاب مستمر بين نوازغ الشر، ودواعي الخير، وبين الداعي إلى الخير ودعاة الشر دائما، ولذلك جعل اللَّه للنبيين أعداء من المجرمين، ليتحقق للنبي فضل الجهاد، وليتحقق الابتلاء الذي يبتلى به النبيون، كما قال تعالى: (. . وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. .) ، ولذلك كان لكل نبي عدو من المجرمين، وإلا ما كان فضل الجهاد، وفضل الاختبار الشديد لأهل الإيمان.