قيل: لفظ المحال مجمل، وهذا ليس محالًا لعدم استطاعته له، ولا لعجزه عنه ولا لامتناعه في نفسه، بل هو ممكن مقدور مستطاع، ولكن إذا وقع كان الله عالمًا بأنه سيقع، وإذا لم يقع كان عالمًا بأنه لا يقع، فإذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالًا من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه، وكل الأِشياء بهذا الاعتبار هي محال.
ومما يلزم هؤلاء ألا يبقى أحد قادرًا على شيء لا الرب ولا الخلق، فإن الرب إذا علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء قدرته على تركه، وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء قدرته على فعله، فكذلك ما قدره من أفعال عباده، والله تعالى أعلم.
فإذن ينبغي على الإنسان أن يؤمن بالقدر، وقد بين ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جواب السائل عن الإيمان: (( أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ... ) ).
وقال -صلى الله عليه وسلم- في آخر الحديث: (( يا عمر، أتدري مَن السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) )رواه مسلم في باب الإيمان.
ولا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقًا غير الله فقد أشرك، فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة. عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"القدرية مجوسُ هذه الأمة، إن مَرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم"أخرجه أبو داود في السنة باب القدر.
وروى أبو داود أيضًا عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"لكل أمة مجوسٌ، ومجوسُ هذه الأمة الذين يقولون: لا قدرَ، من مات منهم فلا تَشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال"وروى أبو داود أيضًا عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تجالسوا أهلَ القدر ولا تفاتحوهم"أخرجه أبو داود.