ثم أخبر عن عصبة قصة الإفك بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النور: 11] يشير إلى أنه تعالى لا يجري على عباده إلا ما يكون حقيقة اللطف، وإن كان في صورة القهر تأديباً وتهذيباً لهم وموجباً لرفعة درجاتهم وزيادة في رتبتهم، وأن قصة الإفك وإن كانت في صورة القهر كانت في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق عائشة وأبويها وجميع الصحابة صلى الله عليه وسلم ابتلاءً وامتحاناً لهم وتربية وتهذيباً، فإن البلاء للولاء وكاللهب بالذهب، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"، وقال صلى الله عليه وسلم:"يبتلى الرجل على قدر دينه"فإن الله غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين فإذا حصلت مساكنة بعضهم إلى بعض يجري الله تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه ويرده إلى حضرته،"وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة فساكنها وقال:"يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة"."
وفي بعض الأخبار أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك، فأجرى الله تعالى حديث أهل الإفك حتى ردَّ رسول الله قلبها عنها إلى الله تعالى بالخلال عقد حبها عن قلبه، وردت عائشة - رضي الله عنها - قلبها عنه إلى الله حيث قالت لما ظهرت براءة ساحتها: بحمد الله لا بحمدك فكشف صبابة تلك المحبة وأزال الشك وأظهر براءة ساحتها حين أدبهم وهذبهم وقربهم وزاد في رفع درجاتهم وقرباتهم {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ} من أصحاب الإفك {مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} على حسب سعايتهم وفساد ظنهم وهتك حرمة حرمانيهم {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} في الخوض ابتداء.
{مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} يؤاخذ بجرمه وهو خسارة الدنيا والآخرة لأنه"من سن سنة سيئة فله وزرها وزر من عمل بها إلى يوم القيامة".