وهنا نحبّ أن نشير إلى أن الآية الكريمة قد تحدّثت عن الرسول ، وعن النبيّ ، باعتبار أن لكل منهما صفة خاصة ، وأنهما لو كانا على صفة واحدة لما جاءت بهما الآية على هذا النظم ، الذي جاء العطف فيه بين الرسول والنبيّ بإعادة حرف النفي ، الذي يؤكد لكلّ من الرسول والنبيّ ذاتيته .. فكأنّ نظم الآية يقول: « وما أرسلنا من قبلك من رسول ، وما أرسلنا من قبلك من نبيّ » .. وهذا يعني أن الرسول غير النبيّ ..
والذي عليه الرأي عند المفسرين والفقهاء ، أن كلّا من الرسول والنبيّ يوحى إليهما من اللّه ولكن الرسول ينفرد بأنه صاحب شريعة يتلقاها من اللّه ، ويدعو إليها الناس .. بخلاف النبيّ الذي لا شريعة معه ، وإنما هو على شريعة رسول سبقه ، وأنه يدعو إلى شريعة هذا الرسول .. فكل رسول نبيّ .. وليس كل نبيّ رسولا ..
وعلى أيّ ، فإن الرسول صاحب كتاب سماوى أو صحف سماوية .. أما النبيّ فلا كتاب ولا صحف معه ..
وهذا الوضع الذي يختلف فيه النبيّ عن الرسول ، له دلالة كبيرة فِي المفهوم الذي ينبغى أن نفهمه من الآية السابقة ، وهو أن قوله تعالى: « فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ. »
لا يمكن أن ينصرف إلى الآيات المقروءة ، المنزلة وحيا من السماء ..
وذلك لأن النبيّ - مجرد النبيّ - لا يدخل فِي هذا الحكم ، إذ لا كتاب معه ، ولا صحف ، حتى يقع عليها النسخ فيما ألقى الشيطان فيها.!!
وإذن ، فالذي ينبغى أن نقطع به قطعا جازما ، هو أن معنى النسخ فِي هذه الآية ، لا يمكن أن يكون واردا على نسخ آيات اللّه المتلوة ، كما هو المعروف عن النسخ بمعناه العام المطلق ، الذي فسره عليه المفسرون ..
وهذه الحقيقة ، هي فِي الواقع من أقوى الأدلة على فساد المعنى الذي فهمت عليه الآية الكريمة ، والذي جاءت منه قصة - أو خرافة - « الغرانقة العلا » التي ستعرف نبأها عما قليل ..