ولا نزال نكرر أن"العصمة"من العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء. وقد قدمنا لك أن الأصوليين عدوا الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الخبر الذي يجب أن يقطع بكذبه.
وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه، ولا نطيل في ذلك، ويكفينا قول البيهقي وأمثاله من أئمة الحديث فضلاً عن تلك الحجج العقلية، وأما قول من قال إنه تكام بذلك ساهياً أو ناعساً فيرده ما قروره في علم النفس من أن الإنسان لا يتكلم حال عدم الشعور إلا بما يكون مستقراً في نفسه، منتقشاً في قلبه مستولياً على لبه، فيظهر حينئذ على لسانه من غير قصد ولا روية، وهل يمكن أحداً أن يقول إن مدح الأصنام كان في نفسه - صلى الله عليه وسلم - حتى يظهر على لسانه ساهياً أو ناعساً؟ اللهم إن ذلل غير معقول ولا مقبول.
تفسير الآية على سبيل الإجمال:
المراد من الآية على سبيل الاختصار أن الله تعالى ما أرسل رسولاً من الرسل ولا بعث نبياً من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم ويرغب فيه، ويحرص عليه كل الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، وفي جملتهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي قال له الرب سبحانه وتعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} وقال: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة لهذا المعنى.