ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} فأما من كفر فقد ألقى الشيطان في نفسه الوساوس القادحة في الرسالة الموجبة لكفره. وكذا المؤمن أيضاً لا يخلو من وساوس، أنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالشدة والضعف، والقلة والكثرة، فمعنى (تمنى) : أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم، ويحكم فيهم الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك - عز وجل - في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به.
فتحصل من هذا أن الوساوس تلقى أولاً في قلوب الفريقين معاً، غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين.
وصفوة القول: أن التفسير الصحيح لهذه الآية هو الذي يجمع بين أمور ثلاثة: العموم الذي في أولها، والتعليل الذي في آخرها من قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} مع كونه يعطي للرسالة حقها.
وقد سمعت القول الفاصل في ذلك، وليس يخفي عليك ما سواه، والله يتولى هدانا جميعاً بمنه وكرمه. انتهى انتهى. {فتاوى ومقالات للشيخ يوسف الدجوي حـ 2 صـ 63 - 69} .