الثالثة: جواز فتنة بعض الناس واستدراجهم إلى الضلال بتقدير الأسباب الموجبة لذلك لأنه - عز وجل - علل إلقاء الشيطان في أمنية النبي، ونسخ ذلك بفتنة الذين في قلوبهم مرض، وهو كقوله - عز وجل: {وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ} (53) / [142 ب/م] [الأنعام: 53] كما ذكر في الأنعام.
{وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ} (66) [الحج: 66] فيه إثبات البعث ونظائره عديدة.
{وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ} (68) [الحج: 68] لم يؤمر هاهنا بمجادلتهم لعنادهم وشغبهم، وكذلك ينبغي ترك جدال كل مشاغب ما لم يلزم من تركه مفسدة.
اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) [الحج: 73] فيه الجدال والمناظرة بضرب الأمثال، وهي بالحقيقة أقيسة جلية إذ قوله - عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] إشارة إلى عجز الآلهة وأنها لا تخلق، فنظمه إذن هكذا: الالهة التي تدعونها عاجزة لا تخلق شيئا، والله - عز وجل - وهو قياس في الشكل الثاني.
{اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (75) [الحج: 75] هذا جواب من يقدح في الرسل بقوله: {بَشَرٌ مِثْلُنا} / [302/ل] فليس أولى بالرسالة منا إذا يلزم الترجيح بلا مرجح.
وجوابه: أن إرسال من الناس والملائكة مستند إلى اختيار الله - عز وجل - فهو المرجح، فلا يلزم ما ذكرتم.
وربما استدل بهذه من رأى تفضيل الملائكة رسلا وأمما على غيرهم لتقديمهم في الذكر وفيه ما عرف.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 77] خاص {اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 77] أعم منه {وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (77) [الحج: