أَيِ الْعَالِي عَلَى كل شيء بِقُدْرَتِهِ، وَالْعَالِي عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْأَنْدَادِ، الْمُقَدَّسِ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِجَلَالِهِ.
(الْكَبِيرُ) أَيِ الْمَوْصُوفُ بِالْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ وَكِبَرِ الشَّأْنِ.
وَقِيلَ: الْكَبِيرُ ذُو الْكِبْرِيَاءِ وَالْكِبْرِيَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ، أَيْ لَهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ أَبَدًا وَأَزَلًا، فَهُوَ الْأَوَّلُ الْقَدِيمُ، وَالْآخِرُ الْبَاقِي بعد فناء خلقه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ)
هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) .
وَإِنَّمَا قَالَ: (ضُرِبَ مَثَلٌ) لِأَنَّ حُجَجَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ أَقْرَبُ إِلَى أَفْهَامِهِمْ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَأَيْنَ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ - قَالَ الْأَخْفَشُ: لَيْسَ ثَمَّ مَثَلٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى ضَرَبُوا لله مَثَلًا فَاسْتَمِعُوا قَوْلَهُمْ، يَعْنِي أَنَّ الْكُفَّارَ جَعَلُوا لِلَّهِ مَثَلًا بِعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ جَعَلُوا لِي شَبِيهًا فِي عِبَادَتِي فَاسْتَمِعُوا خَبَرَ هَذَا الشبيه.
الثَّانِي - قَوْلُ الْقُتَبِيِّ: وَأَنَّ الْمَعْنَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَثَلُ مَنْ عَبَدَ آلِهَةً لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَخْلُقَ ذُبَابًا وَإِنْ سَلَبَهَا الذُّبَابُ شَيْئًا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَسْتَنْقِذَهُ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْنَى ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ مَثَلًا، قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ، أَيْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ شبها
وَلِمَعْبُودِكُمْ.
(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)
وَالْمُرَادُ الْأَوْثَانُ الَّذِينَ عَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَكَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا.
وَقِيلَ: السَّادَةُ الَّذِينَ صَرَفُوهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجل.
وقيل: الشياطين حَمَلُوهُمْ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ.
(لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً)