فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ فِي رُسُلِهِ وَسِيرَتِهِ فِي أَنْبِيَائِهِ إِذَا قَالُوا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلًا زَادَ الشَّيْطَانُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَا يَفْعَلُ سَائِرَ الْمَعَاصِي.
تَقُولُ: أَلْقَيْتُ في الدار كَذَا، وَأَلْقَيْتُ فِي الْكِيسِ كَذَا، فَهَذَا نَصٌّ في الشيطان أنه زاد في الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى كَلَامِ عِيَاضٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا هُدِيَ لِهَذَا إِلَّا الطَّبَرِيُّ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ وَصَفَاءِ فِكْرِهِ وَسَعَةِ بَاعِهِ فِي الْعِلْمِ، وَشِدَّةِ سَاعِدِهِ فِي النَّظَرِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْغَرَضِ، وَصَوَّبَ عَلَى هَذَا الْمَرْمَى، وَقَرْطَسَ بعد ما ذَكَرَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً كُلُّهَا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَمَا رَوَاهَا أَحَدٌ وَلَا سَطَّرَهَا، وَلَكِنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يريد.
وأما غيره من التأويلات مما حَكَاهُ قَوْمٌ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَكْرَهَهُ حَتَّى قَالَ كَذَا فَهُوَ مُحَالٌ، إِذْ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ قُدْرَةٌ عَلَى سَلْبِ الْإِنْسَانِ الِاخْتِيَارَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ: (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) [إبراهيم: 22] ، وَلَوْ كَانَ لِلشَّيْطَانِ هَذِهِ الْقُدْرَةُ لَمَا بَقِيَ لأحد
مِنْ بَنِي آدَمَ قُوَّةٌ فِي طَاعَةٍ، وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ لِلشَّيْطَانِ هَذِهِ الْقُوَّةَ فَهُوَ قَوْلُ الثَّنْوِيَّةِ وَالْمَجُوسِ فِي أَنَّ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرَّ مِنَ الشَّيْطَانِ.