فلو وضعت السموات والأرض وما فيهما كما سبق في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله.
فمن كانت في قلبه كلمة التوحيد (لا إلا إلا الله) كيف يكون وزنه عند الله؟ وكيف تكون منزلته عند الله؟
وكيف تكون جنته يوم القيامة؟
والدين أول ما يبنى من أصوله، ويكمل بفروعه، كما أنزل الله بمكة أصوله: من التوحيد والإيمان، والأمثال والقصص، والوعد والوعيد. ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة: من الأذان والإقامة، وصلاة الجمعة والجماعة، والجهاد والصيام، وتحريم السرقة والزنا، والخمر والميسر، وغير ذلك من واجباته ومحرماته.
فأصوله تمد فروعه وتثبتها وتقويها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها. وإذا جرد
العبد التوحيد لله، خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله.
فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه، وخوفه منه، واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفاع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا.
وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه، فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم وأكمل، وإن مَزج مُزج له، وإن كان مرة ومرة، كان الله له مرة ومرة.
وكلمة التوحيد (لا إلا إلا الله) مركبة من جملتين:
(لا إله) نفي .. (إلا الله) إثبات.
فالنفي أن يخرج فكره ويقينه عما سوى الله، من الأرض إلى السماء .. ومن الذرة إلى أعظم جبل .. ومن قطرة الماء إلى البحر .. ومن البعوضة حتى الفيل .. ومن النملة حتى جبريل .. ومن أصغر مخلوق إلى أكبر مخلوق.
فكل هذه مخلوقات ليس بيدها ولا بيد غيرها من المخلوقات نفع ولا ضر، فكلها ليست بإله، وإنما هي مخلوقة مملوكة مقهورة بأمر الله.