الفوائد:
[من روائع الأبحاث]
بحث لغوي طريف يتعلق ب"في":
ذهب ابن قتيبة إلى أن"في"بمعنى"عند"لأنها قد ترد بمعنى"في"وبمعنى"مع"قال الشاعر:
حتى إذا ألقت يدا في كافر معناه عند كافر، وقال الشاعر:
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان معناه ومع الشر، وتكون في الآية بمعنى على كقوله تعالى:
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ"أي على جذوع النخل وقال عنترة:"
بطل كأن ثبابه في سرحة أي على سرحة، وكما أن في تقع موقع على كذلك تعكس القضية كقول الشاعر:
ولقد سريت على الزمان بمعشر أي في الظلام.
هذا ونقول إن الخطاب على حكم الحس في رأي العين لأن من وقف على شاطئ البحر المحيط أو قريبا من جبل عال رأى الشمس عند الغروب كأنها تدلت في نفس البحر أو خلف الجبل، قال اللّه تعالى:
"حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ"أي وراء الجبل ولو لا أن اللفظ جاء على حكم الحسّ في الظاهر لما قال اللّه تعالى:"وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً"ومن المعلوم عقلا أن القوم لا يجلسون في قرن الشمس ولا هم عندها ولكن لما كان ذو القرنين قد توغل في جوب الأرض حتى انتهى إلى البحر المحيط من جهة الغرب كان الناظر يخيل إليه أن الشمس تغرب هناك وإذن فالخطاب ورد على حكم الحسّ في الظاهر وما أكثر ما تكذب الحواس وله مباحث تؤخذ من مظانها وليس من شرطنا البحث في هذه الموضوعات على جلالتها ويروي التاريخ أن لابن الهيثم كتابا جليل القدر يقع في سبعة مجلدات في هذا العلم ولكنه فقد مع ما فقد من تراثنا العربي.
هذا وقد تظرف الشعراء فأشاروا إلى خداع الحس، قال أبو العلاء المعري:
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
وقال الخفاجي:
ولا ينال كسوف الشمس طلعتها وإنما هو فيما يزعم البصر
[سورة الكهف (18) : الآيات 89 إلى 98]
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (90) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93)