ومن فوائد هذة القصة أن لا يعجب المرء بعلمه ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه ، فلعل فيه سراً لا يعرفه ، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم ، ويراعي الأدب في المقابل وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجر عنه.
{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ذِى القرنين} يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم. وقيل المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين ، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها ، وقيل لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس ، وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان ، وقيل كان لتاجه قرنان. ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه. واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه ، والسائلون هم اليهود سألوه امتحاناً أو مشركو مكة. {قُلْ سَأَتْلُوعَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً} خطاب للسائلين والهاء لذي القرنين. وقيل لله.
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض} أي مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول. {واتيناه مِن كُلّ شَيْء} أراده وتوجه إليه. {سَبَباً} وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة.
{فَاتبعَ سَبَباً} أي فأراد بلوغ المغرب فاتبع سبباً يوصله إليه ، وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الألف مخففة التاء.