ويأجوج ومأجوج قوم خَلْف السدين أو الجبلين ، ينفذون إليهم من هذه الفجوة ، فيؤذونهم ويعتدون عليهم ؛ لذلك عرضوا عليه أن يجعلوا له {خَرْجاً} أي: أجراً وخراجاً يدفعونه إليه على أنْ يسدَّ لهم هذه الفجوة ، فلا ينفذ إليهم أعداؤهم .
ثم يقول الحق - تبارك وتعالى - عن ذي القرنين أنه: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر ... .} .
والقوْل هنا أيضاً قَوْل دلالة وإشارة تُفهمهم أنه في غِنىً عن الأجر ، فعنده الكثير من الخير الذي أعطاه الله ، إنما هو في حاجة إلى قوة بشرية عاملة تُعِينه ، وتقوم معه بتنفيذ هذا العمل .
ونفهم من الآية أن المعونة من المُمكَّن في الأرض المالك للشيء يجب أن تكون حِسْبة لله ، وأنْ تُعين معونة لا تحوج الذي تعينه إلى أن تُعينه كل وقت ، بل أعنه إعانة تغنيه أن يحتاج إلى المعونة فيما بعد ، كأن تعلّمه أنْ يعمل بنفسه بدل أنْ تعطيه مثلاً مالاً ينفقه في يومه وساعته ثم يعود محتاجاً ؛ لذلك يقولون: لا تُعطِني سمكة ، ولكن علِّمني كيف أصطاد ، وهكذا تكون الإعانة مستمرة دائمة ، لها نَفَس ، ولها عُمْر .
ولما كان ذو القرنين ممكّناً في الأرض ، وفي يده الكثير من الخيرات والأموال ، فهو في حاجة لا إلى مال بل إلى الطاقة البشرية العاملة ، فقال: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ . .} [الكهف: 95] أي: قوة وطاقة بشرية قوية مخلصة {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} [الكهف: 95]
ولم يقُلْ: سداً ؛ لأن السدّ الأصمَّ يعيبه أنه إذا حصلت رَجَّة مثلاً في ناحية منه ترجّ الناحية الأخرى ؛ لذلك أقام لهم ردماً أي: يبني حائطاً من الأمام وآخر من الخلف ، ثم يجعل بينهما ردماً من التراب ليكون السد مَرِناً لا يتأثر إذا ما طرأت عليه هزة أرضية مثلاً ، فيكون به التراب مثل"السُّوست"التي تمتص الصدمات .