قلنا: لما أنكروا الشرك بقولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: 23] عاقبهم الله تعالى بإصمات ألسنتهم وأنطق جوارحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا) [النحل: 86] أي قد أقررنا بعد الإنكار وصدقنا بعد الكذب طلبا للرحمة وفرارا من الغضب، فكان هذا القول على وجه الاعتراف منهم بالذنب لا على وجه إعلام من لا يعلم.
الثاني: أنهم لما عاينوا عظيم غضب الله تعالى وعقوبته قالوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا) [النحل: 86] رجاء أن يلزم الله الأصنام ذنوبهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون لها العقل والتمييز فيخف عنهم العذاب.
[563] فإن قيل: لم قالت الأصنام للمشركين إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) [النحل: 86] وكانوا صادقين فيما قالوا؟
قلنا: إنما قالت لهم ذلك لتظهر فضيحتهم، وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف من يعبدها، فلم تعلم أنهم عبدوها في الدنيا فظهرت فضيحتهم حيث عبدوا من لا يعلم بعبادتهم، ونظير هذا قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) [النحل: 81، 82] .
[564] فإن قيل: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: 89] فإذا كان القرآن تبيانا لكل شيء من أمور الدين، فمن أين وقع بين الأمة في أحكام الشريعة هذا الخلاف الطويل العريض؟
قلنا: إنما وقع الخلاف بين الأئمة لأن كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين ليس مبينا في القرآن نصا، بل بعضه مبين وبعضه مستنبط بيانه منه بالنظر والاستدلال، وطريق النظر والاستدلال مختلفة فلذلك وقع الخلاف.
[565] فإن قيل: كثير من أحكام الشريعة لم تعلم من القرآن نصا ولا استنباطا كعدد ركعات الصلاة، ومقادير باقي الأعضاء، ومدة السفر والمسح والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وما أشبه ذلك مما يطول ذكره؟