وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَتَطَرَّفُهُمْ بِأَخْذِهِمْ بِالْمَوْتِ.
عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: {نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} قَالَ:"هُوَ الْمَوْتُ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَنْقُصُ لَمْ نَجِدْ مَكَانًا نَجْلِسُ فِيهِ» "
وَقَالَ آخَرُونَ: نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا بِذَهَابِ فُقَهَائِهَا وَخِيَارِهَا.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بِظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَقَهْرِهِمْ أَهْلَهَا، أَفَلَا يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ فَيَخَافُونَ ظُهُورَهُمْ عَلَى أَرْضِهِمْ وَقَهْرُهُمْ إِيَّاهُمْ؟ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَهُ الْآيَاتِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} ثُمَّ وَبَّخَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِسُوءِ اعْتِبَارِهِمْ مَا يُعَايِنُونَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِضُرَبَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْأَلُونَ الْآيَاتِ، فَقَالَ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بِقَهْرِ أَهْلِهَا، وَالْغَلَبَةِ عَلَيْهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَجَوَانِبِهَا، وَهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ بِمَا يَرَوْنَ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ فَيُنَفِّذُ حُكْمَهُ، وَيَقْضِي فَيَمْضِي قَضَاؤُهُ، وَإِذَا جَاءَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ حُكْمُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ لَمْ يَسْتَطِيعُوا رَدَّهُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} :"لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ، وَالْمُعَقِّبَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الَّذِي يَكُرُّ عَلَى الشَّيْءِ، وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} "
يَقُولُ: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، يُحْصِي أَعْمَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ جَزَائِهِمْ عَلَيْهَا.