يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْأَحْزَابِ، كَذَلِكَ أَيْضًا أَنْزَلْنَا الْحُكْمَ وَالدِّينَ حُكْمًا عَرَبِيًّا، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَرَبِيًّا، وَوَصَفَهُ بِهِ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَرَبِيٌّ، فَنُسِبَ الدِّينُ إِلَيْهِ إِذْ كَانَ عَلَيْهِ أُنْزِلَ، فَكَذَّبَ بِهِ الْأَحْزَابُ، ثُمَّ نَهَاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ تَرْكِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَاتِّبَاعِ الْأَحْزَابِ، وَتَهَدَّدَهُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ فَعَلَهُ، فَقَالَ: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ يَا مُحَمَّدُ أَهْوَاءَهُمْ، أَهْوَاءَ هَؤُلَاءِ الْأَحْزَابِ وَرِضَاهُمْ وَمَحَبَّتَهُمْ، وَانْتَقَلْتَ مِنْ دِينِكَ إِلَى دِينِهِمْ، مَا لَكَ مَنْ يَقِيكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِنْ عَذَّبَكَ عَلَى اتِّبَاعِكَ أَهْوَاءَهُمْ، وَمَا لَكَ مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُكَ فَيَسْتَنْقِذَكَ مِنَ اللَّهِ إِنْ هُوَ عَاقَبَكَ، يَقُولُ: فَاحْذَرْ أَنْ تَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} يَا مُحَمَّدُ {رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ} إِلَى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِ أُمَّتِكَ فَجَعَلْنَاهُمْ بَشَرًا مِثْلَكَ، لَهُمْ أَزْوَاجٌ يَنْكِحُونَ، وَذُرِّيَّةً أَنْسَلُوهُمْ، وَلَمْ نَجْعَلْهُمْ مَلَائِكَةً لَا يَأْكُلُونَ، وَلَا يَشْرَبُونَ، وَلَا يَنْكِحُونَ، فَنَجْعَلُ الرَّسُولَ إِلَى قَوْمِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِثْلَهُمْ، وَلَكِنْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهُمْ، كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى مَنْ قَبْلِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ بَشَرًا مِثْلَهُمْ
{وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَقْدِرُ رَسُولٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ أَنْ يَأْتِيَ أُمَّتَهُ بِآيَةٍ وَعَلَامَةٍ، مِنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ، وَنَقْلِ بَلْدَةٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، يَقُولُ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ الْجِبَالَ بِالْسَيْرِ، وَالْأَرْضَ بِالِانْتِقَالِ، وَالْمَيِّتَ بِأَنْ يَحْيَا.
{لِكُلِّ أَجْلٍ كِتَابٌ}