ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: {... قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب} [الرعد: 43]
والشهيد كما نعلم هو الذي يرجح حُكْم الحق ، فإذا ما ظهر أمر من الأمور في حياتنا الدنيا الذي نحتاج إلى حُكْم فيها ؛ فنحن نرفع الأمر الذي فيه خلاف إلى القاضي ، فيقول:"هاتوا الشهود".
ويستجوب القاضي الشهود ليحكمَ على ضَوْء الشهادة ؛ فَما بالُنَا والشاهد هنا هو الحقٌّ سبحانه؟
ولكن ، هل الله سيشهد ، ولِمَنْ سيقول شهادته ؛ وهم غَيْرُ مُصدِّقين لكلام الله الذي نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ؟
ونقول: لقد أرسله الحق سبحانه بالمعجزة الدَّالة على صِدْق رسالته في البلاغ عن الله ، والمعجزة خَرْقٌ لنواميس الكون .
وقد جعلها الحق سبحانه رسالةً بين يدي رسوله وعلى لسانه ؛ فهذا يعني أنه سبحانه قد شهد له بأنه صادق .
والمعجزة أَمْر خارق للعادة يُظهِرها الله على مَنْ بلغ أنه مُرْسَل منه سبحانه ، وتقوم مقام القول"صدق عبدي فيما بلغ عنِّي".
وإرادة المعجزة ليست في المعنى الجزئي ؛ بل في المعنى الكُليّ لها . والمثل في المعجزات البارزة واضح ؛ فهاهي النار التي أَلْقَوْا فيها إبراهيم عليه السلام ، ولو كان القَصْد هو نجاته من النار ؛ لكانت هناك ألفُ طريقة ووسيلة لذلك ؛ كأنْ تُمطِر الدنيا ؛ أو لا يستطيعون إلقاء القبض عليه .
ولكن الحق سبحانه يوضح لهم من بعد أن أمسكوا به ، ومن بعد أن كبَّلوه بالقيود ، ومن بعد أن ألقوْه في النار ؛ ويأتي أمره بأن تكون النار برداً وسلاماً عليه فلا تحرقه: {قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]
وهكذا غيّر الحق سبحانه الناموس وخَرَقه ؛ وذلك كي يتضح لهم صِدْق إبراهيم فيما يبلغ عن الله ؛ فقد خرَق له الحق سبحانه النواميس دليلَ صحة بلاغه .