ونحن نجد استشراء العصبيات في الأخذ بالثأر إنما يحدث بسبب الإبطاء في نظر القضايا ؛ حيث يستغرق نظر القضية والحكم فيها سنواتٍ ؛ مِمَّا يجعل الحقدَ يزداد . لكن لو تَمَّ تنفيذ الحكم فَوْرَ معرفة القاتل ، وفي ظل الانفعال بشراسة الجريمة ؛ لَمَا ازدادتْ عمليات الثأر ولَهدأَت النفوس .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) }
وهنا يخبر الحق سبحانه رسوله ، وأيُّ سامع لهذا البلاغ يستقرئ موكب الرسالات السابقة ؛ وسيجد أن كُلَّ أمة أُرسِل لها رسول مكرتْ به وكادتْ له كي تبطل دعواه ، ولم ينفع أيّ أمة أي مكر مَكرتْه أو أيّ كَيْدٍ كَادَتْهُ ، فكُلُّ الرسالات قد انتصرتْ .
فسبحانه القائل: {كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي ...} [المجادلة: 21]
وهو القائل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171 - 173]
والحق سبحانه حين يُورِد حُكْماً فبالقرآن ؛ وهو الذي حفظ هذا القرآن ؛ فلن تأتي أيُّ قضية كونية لتنسخ الحكم القرآني .
وأنت إذا استقرأتَ مواكب الرسل كلها تجد هذه القضية واضحة تماماً ؛ كما أثبتها الحق سبحانه في القرآن المحفوظ ؛ وما حفظه سبحانه إلا لوثوقه بأن الكونيات لا يمكن أن تتجاوزه .
وبالفعل فقد مكرتْ كُلُّ أمة برسولها ؛ ولكن الحق سبحانه له المكر جميعاً ؛ ومَكْر الله خَيْرٌ للبشرية من مَكْر كل تلك الأمم ؛ ومَكْره سبحانه هو الغالب ، وإذا كان ذلك قد حدث مع الرسل السابقين عليك يا رسول الله ؛ فالأمر معك لابُدَّ أنْ يختلفَ لأنك مُرْسَلٌ إلى الناس جميعاً ، ولا تعقيبَ يأتي من بعدك .