وكان سيدنا سليمان عليه السلام جالساً يسمع أطراف الحديث فقال: لا ، بل على صاحب الأغنام أن يتنازل عن أغنامه لصاحب الأرض لفترة من الزمن يأخذ من لبنها ويستثمرها ، وينتفع بها إلى أن يزرع له صاحب الغنم مثلَ ما أكلتْ الأغنام من أرضه .
وقال الحق سبحانه: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ...} [الأنبياء: 79]
وهذا هو الاستئناف ، ولا يعني الاستئناف طَعْنَ قاضٍ في القاضي الأول ؛ لكنه بَحْثٌ عن جوهر العدل ؛ ولعل القضية إنْ أُعيدَتْ لنفس القاضي الأول لَحكَم نفس الحكم الذي حكم به الاستئناف بعد أن يستكشف كل الظروف التي أحاطتْ بها .
وهنا يقول الحق سبحانه: {والله يَحْكُمُ ...} [الرعد: 41]
ولحظة أن يُصدِر الله حُكْماً ؛ فلن يأتي له استئناف ، وهذا معنى قوله الحق: {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ...} [الرعد: 41]
وكأن هذا القول الحكيم يحمل التنبؤ بما أشار به القضاء بإنشاء الاستئناف ؛ ولا أحد يُعقِّب على حُكْم الله ؛ لأن المُعقِّب يفترض فيه أن يكون أيقظَ من المُعقَّب عليه ؛ وعنده قدرةُ التفاف إلى ما لم يلتفت إليه القاضي الأول ، ولا يوجد قَيُّوم إلا الله ، ولا أحدَ بقادر على أن يعلم كل شيء إلا هو سبحانه .
وآفة كل حُكْم هو تنفيذه ؛ ففي واقعنا اليومي نجد مِنَ استصدر حُكْماً يُعاني من المتاعب كي يُنفِّذه ؛ لأن الذي يُصدِر الحكم يختلف عَمَّنْ ينفذه ، فهذا يتبع جهة ، وذاك يتبع جهة أخرى .
ولكن الحُكْم الصادر من الله ؛ إنما يُنفِّذ بقوته سبحانه ، ولا يوجد قويٌّ على الإطلاق سِوَاه ، ولذلك يأتي قول الحق: {... وَهُوَ سَرِيعُ الحساب} [الرعد: 41]
فكأن الله يُنبِّهنا بهذا القول إلى أن الحكم بالعدل يحتاج إلى سرعة تنفيذ .
ونحن نرى في حياتنا اليومية: كيف يُرْهق مَنْ له حكم بحقٍّ عادل ؛ ولو أننا نُسرِع بتنفيذ الأحكام لَسادَتْ الطمأنينةُ قلوبَ أفراد المجتمع .