وهنا يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ...} [الرعد: 41]
وكلمة"أطراف"تدلنا على أن لكل شيء طُولاً وعَرْضاً تتحدد به مساحته ؛ وكذلك له ارتفاع ليتحدد حجمه . ونحن نعرف أن أيَّ طول له طرفان ، وإنْ كان الشيء على شكل مساحي تكون أطرافه بعدد الأضلاع .
وما دام الحق سبحانه يقول هنا: {مِنْ أَطْرَافِهَا ...} [الرعد: 41]
أي: من كل نقطة من دائرة المحيط تعتبر طرفاً . ومعنى ذلك أنه سبحانه قد شاء أنْ تضيق أرض الكفار ، وأنْ يُوسِّع أرض المؤمنين من كل جهة تحيط بمعسكر الكفر ، وهذا القول يدل على أنه عملية مُحْدّثة ، ولم تكن كذلك من قبل .
ويتابع سبحانه من بعد ذلك: {والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ...} [الرعد: 41]
أي: أن الموضوع قد بُتَّ فيه وانتهى أمره . . ونحن في حياتنا اليومية نقول:"هذا الموضوع قد انتهى ؛ لأن الرئيس الكبير قد عقَّب على الحكم فيه".
ونحن في القضاء نجد الحكم يصدر من محكمة الدرجة الابتدائية ، ثم يأتي الاستئناف ليؤيد الحكم أو يرفضه ، ولا يقال: إن الاستئناف قد عقَّب على الحكم الابتدائي ؛ بل يُقال: إنه حكم بكذا إما تأييداً أو رَفْضاً ؛ فما بالنا بحكم مَنْ لا يغفل ولا تخفى عنه خافية ، ولا يمكن أن يُعقِّب أحد عليه؟
والمَثلُ في ذلك ما يقوله الحق سبحانه عن سليمان وداود عليهما السلام: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ...} [الأنبياء: 78 - 79]
وأَصلْ الحكاية أن خلافاً قد حدث بسبب أغنام يملكها إنسان ؛ واقتحمتْ الأغنامُ زراعةَ إنسانٍ آخر ؛ فتحاكموا إلى داود عليه السلام ؛ فقال داود: إن على صاحب الأغنام أن يتنازل عنها لصاحب الأرض .