ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يُطمئِنُ رسوله صلى الله عليه وسلم إنْ آذاه أحدٌ في المنهج الذي جاء به ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن لِيأبه بمَنْ يحاول أن يُؤذِيَه في شخصه ، وكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه ؛ ولكن إنْ تعرَّض أحد للمنهج فغضبه صلى الله عليه وسلم يظهر جلياً .
ومَنْ وقفوا ضد الدين قابلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة ؛ فمَنْ آمن منهم نال حلاوة الإيمان ؛ ومن لم يؤمن فقد توالتْ عليه المصائب من كل جانب ، منهم مَنْ رأى النبي صلى الله عليه وسلم مصارعه .
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} [الزخرف: 41 - 42]
أي: أنه جَلَّ وعلاَ إما أن يُلحِق رسوله بالرفيق الأعلى ، وينتقم من الذين وقفوا ضده ؛ أو يُريه عذابهم رَأْى العين .
وكأن هذا القول هو الذي يشرح قوله سبحانه هنا: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب} [الرعد: 40]
وعذاب الدنيا كما نؤمن مَهْما بلغ فلن يصلَ إلى مرتبة عذاب الآخرة .
ويقول سبحانه من بعد ذلك:
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا ...}
و {يَرَوْاْ} هنا بمعنى"يعلموا"، ولم يَقُلْ ذلك ؛ لأن العلم قد يكون عِلْماً بغيب ، ولكن"يروا"تعني أنهم قد علموا ما جاء بالآية عِلْم مشهد ورؤية واضحة ، وليس مع العين أَيْن .
وإذا جاء قول الحق سبحانه ليخبرنا بأمر حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل ؛ ووجدنا فيه فعل الرؤية ؛ فهذا يعني أننا يجب أن نؤمن به إيمان مَشْهدٍ ، لأن قوله سبحانه أوثق من الرؤية ، وعلمه أوثق من عينيك .