ومع هذا فإنه لم يمنع الأريحية الإيمانية والمروءة أن تسلك طريقها في عالم الود والإخاء المؤمن ؛ فإنْ كان لك قريب أو إنسان لك به صِلَة ، وأنت تأمنه على ما اقترض منك ؛ يقول لك الحق سبحانه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ...} [البقرة: 283]
وبهذا القول يشعر مَنْ يحمل أمانة من الغير بالخجل ؛ فيعمل على رَدِّها . ثم يضيف الحق سبحانه: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ...} [البقرة: 282]
وهكذا جاء الإسلام بقوانين لا يمكن أن تخرج من أمة أُميِّة ؛ لأنها قوانين تسبق العصور ، وهي قوانين تنبع من دين سماوي خاتم . ولذلك عندما سألوني عن موقف الإسلام من التقدمية والرجعية ، قلت لهم:
إن القياس خاطئ ؛ لأنك لن تستطيع أن تقيس فِكْر بشر بما أنزله رَبُّ كل البشر ، وإذا كان العالم بشَرقْه وغَرْبه يهتدي إلى أيِّ خير تنتظم به حياته ؛ ويجد جذوراً لذلك الخير في الإسلام ؛ فهذا دليل على أن العالم يتجه إلى الوسطية .
وكان المثل في الشيوعية التي قامت ثورتها الدموية في عام 1917 ؛ وقالوا: إنها مُقدّمة للشيوعية ؛ وسقطتْ الشيوعية من بعد أن أصيب المجتمع الروسي بالتيبُّس والجمود ، والخوف من أسلوب حُكْم الحزب الشيوعي .
ونجد الرأسمالية الشرسة ، وهي تُهذِّب من شراستها ؛ وتعطي العامل حقَّه وتُؤمِّن عليه ، وهكذا يتجه العالم إلى الوسطية التي دعا لها الإسلام .
وقد نزل الإسلام من قِبَل عالمٍ عليمٍ بكل الأهواء وبكل المراحل .