فهو كالأرض يُطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح، وكالغيث أينما حل نفع، وكالشمس يهتدي الناس بنور علمه، وكالسراج يحرق نفسه ليضيء للناس.
والذي يدعو إلى الله وإلى سنة رسول الله مخلصاً يجعله الله سبباً لجمع الأمة كلها على الدين.
والذي يدعو إلى نفسه وإلى طريقته أو إلى جماعته يمزق الأمة كلها، ويجعلها فرقاً وأحزاباً متناطحة، يفني بعضها بعضاً كالمشركين الذين حذرنا الله منهم بقوله: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } [الروم: 31، 32] .
والدعوة إلى الله مركبة من عدة أعمال كالطعام الذي يقدم للناس مركب من عدة أشياء، وهكذا الدعوة إلى الله مركبة من عدة أشياء، ليست كلاماً فقط، فيها الإيمان .. والعبادات .. والمعاملات .. والمعاشرات .. والأخلاق .. وفيها التعليم .. وفيها الشورى .. وفيها الجولات والزيارات .. وفيها الدعاء والذكر.
فإذا وجدت هذه الأشياء فالدعوة تنبت ثم تثمر ثم تتسع، ثم يظهر الحق، ويزول الباطل، ويكون الدين كله لله.
والدعوة إلى الله تجمع الأمة على الهدى كالروح تجمع البدن والجوارح على الحياة، فإذا خرجت الروح أنتن الجسد وتمزق، وكذا الدعوة إذا خرجت من
حياة الأمة فسد المجتمع وتمزق.
والدعوة إلى الله وظيفة الأمة، ولذلك كانت من أول يوم، فلم يكن هناك فاصل زمني بين الإيمان والدعوة، بينما كان هناك فاصل زمني طويل بين الإيمان ونزول الأحكام والفرائض.
فأبو بكر دعا إلى الله من أول يوم فجاء بستة من العشرة المبشرين بالجنة مع أن أحكام الدين لم تنزل إلا بعد ثلاثة عشر عاماً في المدينة.
وخديجة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتهدت على النساء من أول يوم قبل نزول الأحكام.
فقد اجتهدت على فاطمة بنت الخطاب فأسلمت، وكان في صحيفتها عمر، واجتهدت على سعدى بنت كريز خالة عثمان فأسلمت، وكان في صحيفتها عثمان، وكلاهما من الخلفاء الراشدين.
واجتهدت على سمية أول شهيدة في الإسلام فأسلمت، واجتهد على أم الفضل فأسلمت، وغيرهن.
فجهد الرجال مع جهد النساء قام في وقت واحد.