إن السجود هنا ليس سجود الصلاة، وإنما هو تقديم الطاعة والخضوع للحكم والسلطان، ويصح أن نقول: إنه تحية وتكرمة لصاحب عرش مصر وهو يوسف، والخر - ومعناه الانحناء خضوعا وتكرمة وتحية.
وقال بعض المفسرين: إن الضمير في (لَهُ) يعود على يوسف، والمعنى وخروا ساجدين للَّه شكرا على النعمة التي أنعمها على يوسف، وأن صاروا في رحابه، وذلك معنى معقول في ذاته.
وقال بعض المفسرين: إن الضمير في (لَهُ) يعود لِلَّهِ تعالى، والمعنى خروا ساجدين للَّه كأنهم يصلون صلاة شكر للَّه تعالى، والمعنيان الأخيران نميل إليهما، ولا مضاربة بينهما، بل السجود فيهما للَّه.
أخذ يوسف يستمتع بالحديث مع أبيه، ويثيران ذكريات طيبة، (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) .
قص يوسف على أبيه ما أصابه من شدة، ولكنه ذكر النعم التي أعقبت النقم، ذكر خروجه من السجن، ولم يذكر دخوله، (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) وذكر تأويل الرؤيا وغايتها، ولم يذكر ما كان بعد الرؤيا، وكان مستمتعا بنعمة الأبوة إذ يناديه (يَا أَبَتِ) وفيها ياء المتكلم قلبت تاء، حتى كان اللفظ نداء محبة.
ذكر اللقاء السعيد في هناءة وسرور، فقال: (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) أي جاء بكم من بدو الصحراء حيث لأوائها وشدائدها، وقيظها وريحها الرعناء الساخنة إلى ريف مصر وخصبها.
فهو يذكر النعم، والنفس المؤمنة تذكر النعمة وتشكرها فكانت نفس النبي الصديق ذاكرة للنعمة غير مبينة للشدة، لأنَّ الأساس هو النتائج، لَا الوسائل.