ولم تذكر قضيته مع إخوته إلا بالإشارة غير عائدة باللائمة عليهم، بل يكاد لا يخلى نفسه من ملام، فيقول: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) أي أفسد ما بيننا من محبة وود وإخاء جامع، و (نَزَغَ) معناها نخس وأفسد من قولهم نخس الدابة فجمحت فألقت حملها، ولم ينسب الشر إلى إخوته، بل نسب النزغ بأنه بينهم مع أنهم المعتدون وهو البريء المجني عليه، ولكنه الكريم ابن الكريم، يريد أن يمحو العداوة بالمودة، وعبر بالأخوة الرابطة، فقال: (نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) ، ثم بين لطف اللَّه، وترتيبه الخير وسط إرادة الشر، فقال مثنيا على ربه بما هو أهله، (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) ، أي لطيف التدبير محكمه يجعل الخير من إرادة غيره، ويجعل من النقمة نعمة، ومن السيئة حسنة.
إذ لولا سيئة إخوته ما كانت أرداف الحسنات التي أسبغها اللَّه تعالى عليه، إنه هو العليم بكل شيء، العليم بمقدمات الأمور ونهاياتها الحكيم الذي يدبر كل شيء بمقتضى علمه الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ثم اتجه إلى اللَّه شاكرا له فضل نعمائه جملة وتفصيلا فقال:
(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ...(101)
ابتدأ النداء الضارع بقوله: (ربِّ) أي
منشئي والمنعم عليَّ بالوجود والإنسانية والمسرة في الشدة، والنجاة من كل ألم بفضلك وعنايتك.
(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) ، (قَدْ) هنا للتحقيق، وقال: (مِنَ الْمُلْكِ) ولم يقل الملك، لأن الملك كله لمالك الملك ذي الجلال والإكرام، والطول والإنعام، فما يملك الحاكمون ليس إلا ذرة من ملكه سبحانه، وهو ليس من جنسه، بل من جنس آخر، وهو ما يكون للعبيد في هذه ومتاعها، وهو قليل بجوار متاع الآخرة.