وأما معنى الاستثناء في قوله: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} فإنه يقول إلى الأمن لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله؛ لأنه لا يتقن الأمن، فتقدم الاستثناء وهو منوي به التأخير، ذكره أبو بكر وغيره، قال ابن عباس: وإنما قال آمنين؛ لأنهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بجوارهم، ويجوز أن يعود الاستثناء إلى الدخول على القول الذي يقول إنه قال لهم: {ادْخُلُوا مِصْر} ، قيل: أن ادخلوها، وقال ابن جريج: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} مقدم إلى قوله: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله، قال: وهذا من التقديم والتأخير في القرآن وهو كثير.
100 -قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} قال ابن عباس والمفسرون: على السرير، قال أهل اللغة: العرش السرير الرفيع: وهو سرير الملك، قال الله تعالى: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] . قال أهل التفسير: أجلسهما عليه.
وقوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد خروا لله عند ذلك سجودًا، ونحو هذا روى الضحاك عنه.
وقال عامة المفسرين: وخروا ليوسف سجدًا على جهة التحية، لا على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحييَّ بعضهم بعضًا بالسجود والانحناء، فحظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا ونهى عنه، والسجود معناه في اللغة: الانحناء مع الخضوع والتذلل، ذكرنا ذلك فيما تقدم، وعلى هذا كان ذلك سجودًا من غير سقوط على الأرض كما يقال: قد سجد القف من الأرض للحوافر، إذا خضع لها فذل ومنه:
تَرَى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوَافِرِ