قال ابن الأنباري: والخرور في هذا القول لا يُعْنى به السقوط والوقوع، لكن المراد به: المرور، سمعت أبا العباس يحكي هذا، واحتج بقوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] يعني: لم يمروا، قال ابن عباس في رواية الكلبي: السجود هاهنا مما كانت الأعاجم تستعمله في تعظيمها رؤساءها، ليس سقوط على الأرض، لكنه كالركوع.
قال الأزهري: والأشبه بظاهر الكتاب أنهم سجدوا ليوسف دل عليه رؤياه الأولى حين قال: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] فظاهر التلاوة أنهم سجدوا ليوسف تعظيمًا له، من غير أن أشركوا بالله، وكأنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله في شريعتهم، قال: وفيه وجه آخر لأهل العربية وهو: أن يجعل اللام لام أجل، المعنى: وخروا من أجله سجدًا، شكرًا للذي أنعم عليهم فجمع شملهم.
وقوله تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} أي إليَّ، (يقال) : أحسن به وإليه، قال كثير:
أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومةً ... لدَيْنَا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ
{إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} قال أهل المعاني: ذكر إخراجه من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر كرمًا، لئلا يذكر إخوته صنيعهم به، ولأن النعمة في إخراجه من السجن كانت أعظم، إذ كان دخوله السجن سبب ذنب هم به.
وقوله تعالى: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} والبدو: بسيط الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد، وأصله من بدا يبدو بدوًا، إذا خرج إلى المراعي في الصحاري، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال: بدو وحضر، قال قتادة: كان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مَوَاشٍ وبريَّة.
وقال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف، وله بها مسجد تحت جبلها.
قال ابن الأنباري: بدا اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا، وهما موضعان ذكرهما جميل أوكثير فقال: