والحق سبحانه هو القائل: {... وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج: 65]
واسمع قوله الحق: {لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]
فالإنسان يتغير ويموت ؛ أما السماوات والأرض فثابتة إلى ما شاء الله .
ويقول يوسف عليه السلام مواصلاً المناجاة لله: {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة ...} [يوسف: 101]
وصحيح أن الحق سبحانه وليّ ليوسف في الدنيا ، وقد نصره وقرَّبه وأعانه ؛ بدليل كل ما مَرَّ به من عقبات ، ويرجو يوسف ويدعو ألاّ يقتصر عطاء الله له في الدنيا الفانية ، وأن يثيبه أيضاً في الباقية ، والآخرة .
وما دام سبحانه وليَّه في الدنيا والآخرة ؛ فيوسف يدعوه: {... تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين} [يوسف: 101]
وقوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً ...} [يوسف: 101]
إنما بسبب أن يكون أهلاً لعطاء الله له في الآخرة ؛ فقد أخذ يوسف عطاء الدنيا واستمتع به ، ومَتّع به ، ومشى فيه بما يُرضِى الله .
وعند تمنِّي يوسف للوفاة وقف العلماء ، وقالوا: ما تمناها أحد إلا يوسف .
فالإنسان إن كان مُوفّقاً في الدنيا ، تجده دائم الطموح ، وتوَّاقاً إلى المزيد من الخير .
وتحمل لنا ذاكرة التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه قَبِل الإمارة ، حينما كانوا يجيئون له بثوب ناعم ؛ كان يطلب الأكثر منه نعومة ، وإذا جِيءَ له بطعام ليِّن ؛ كان يطلب الأكثر لُيونة .
وحين صار خليفة ؛ كانوا يأتونه بالثوب ؛ فيطلب الأكثر خشونة وظن مَنْ حوله أنه لم يَعُدْ منطقياً مع نفسه ، ولم يفهموا أن له نفساً توَّاقة إلى الأفضل ؛ تستشرف الأعلى دائماً ، فحينما تَاقَ إلى الإمارة جاءتْه ؛ وحين تاق إلى الخلافة جاءتْه ، ولم يَبْقَ بعدها إلا الجنة .