وَهَذَا كَلَامٌ جَيِّدٌ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ تَقْطَعُ مِنَ الْقَلْبِ الْعَلَائِقَ كُلَّهَا، وَتُعَلِّقُهُ بِمَعْرُوفِهِ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ عَلَاقَةٌ بِغَيْرِهِ، وَلَا تَمُرُّ بِهِ الْعَلَائِقُ إِلَّا وَهِيَ مُجْتَازَةٌ، لَا تَمُرُّ مُرُورَ اسْتِيطَانٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ: مَنْ كَانَ بِاللَّهِ أَعْرَفَ كَانَ لَهُ أَخْوَفَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» .
وَقَالَ آخَرُ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِسِعَتِهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى اتَّسَعَ عَلَيْهِ كُلُّ ضِيقٍ.
وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ كُلُّ مَكَانٍ لَا يُسَاعَدُ فِيهِ عَلَى شَأْنِهِ وَمَطْلُوبِهِ، وَيَتَّسِعُ عَلَيْهِ مَا ضَاقَ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ، وَلَا هُوَ مُسَاكِنٌ لَهُ بِقَلْبِهِ، فَقَلْبُهُ غَيْرُ مَحْبُوسٍ فِيهِ.
وَالْأَوَّلُ: فِي بِدَايَةِ الْمَعْرِفَةِ. وَالثَّانِي: فِي نِهَايَتِهَا الَّتِي يَصِلُ إِلَيْهَا الْعَبْدُ.
وَقَالَ آخَرُ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى صَفَا لَهُ الْعَيْشُ، فَطَابَتْ لَهُ الْحَيَاةُ، وَهَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَذَهَبَ عَنْهُ خَوْفُ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنِسَ بِاللَّهِ.